كثيرًا ما أتحرّك بين دوائر نسوية مختلفة، باحثة عن مساحة أشعر فيها بانسجام مع تجربتي ولغتي وحضوري كما هما.
وفي كل مساحة أكتشف نسويات متعددة لا كتناقضات، بل كتعدديات تعبّر عن طرق مختلفة لفهم الحرية والتجربة والذات.
أحيانًا تفتح هذه اللقاءات آفاقًا جديدة، وأحيانًا تثير أسئلة صريحة حول كيفية تشكّل معايير الانتماء داخل هذه المساحات.
فالاختلاف لا يكون دائمًا في القيم أو النضال، بل في اللغة، وفي الخلفية الاجتماعية، وفي الطبقة، والدين، والهوية، والتجربة الشخصية.
هذه العوامل، وإن بدت محايدة، قد ترسم دون قصد حدود الظهور والاحتفاء.
فتولد أسئلة ضرورية:
هل تُقاس “النسوية” بالانتماء للمدارس والمصطلحات، أم بالفعل النسوي الذي ننتجه في العالم؟
هل تُرى النساء عبر طريقة حديثهن، ومظهرهن، وشبكاتهن، أم عبر ما يغيّرنه ويحمينه ويبنينه؟
إن محاولة بناء نسوية جامعة ليست إنكارًا لأي تيار نسوي، بل توسيعًا للنسوية بحيث تستوعب التعدّد من دون أن تُسقطه في وحدة قسرية.
نسوية تستبدل رقابة الهوية بنقاش نقدي، والوصاية بالأفق، والمقارنة بالاتساع.
لكن داخل هذه الدوائر تظهر أحيانًا بطريقة غير معلنة علاقات قوة دقيقة تجعل أصواتًا حاضرة ومسموعة فورًا، بينما تطلب من أصوات أخرى بذل جهد مضاعف لتُرى.
هنا تتشكّل مفارقة الاعتراف:
المكان الذي يُفترض أن يحرّر قد يعيد إنتاج حدود صامتة للانتماء.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح حين نرى نساء لا يطلقن على أنفسهن لقب “نسوية” — ومع ذلك يمارسن فعلًا نسويًا يوميًا:
في التعليم، والرعاية، والكتابة، والصمود، وإعادة بناء الحياة كل يوم رغم كل ما ينهكها.
هؤلاء النساء لا تُصفق لهن المؤتمرات ولا تُترجم تجاربهن، ومع ذلك يخلخلن بنى السلطة بوجودهن ونضالهن اليومي.
هنا يصبح الاعتراف لا بوصفه مجاملة، بل بوصفه بُنى موضوعًا نسويًا بامتياز.
فإذا لم تمنحنا الحركة النسوية حق الاختلاف، وحق أن نكون ذواتنا بلا وصاية أو تصنيف — فماذا تبقّى منها؟
وربما يجب أن يسبِق سؤال “من هي النسوية؟” سؤالٌ أكثر جذرية:
من يُمنح الحق في أن يكون؟
ومن يُصادَر وجوده حتى داخل مساحة يُفترض أنها مساحة تحرر؟
سلسلة “إعادة إنتاج السرديات” ليست مواجهة مع الحركة النسوية، بل تذكير بأن قوتها تكمن في التعدد، وأن حلم التحرر يصبح أوسع حين نسمح لكل قصة، وكل ذاكرة، وكل صوت أن يجد مكانه.
إنها مساحة لاستعادة الصوت، والرؤية، والحق في أن نكون بلا اختبار أهلية، وبلا خضوع لصياغة واحدة لما ينبغي.
نسوية لا تنفي أحدًا، ولا تذيب أحدًا، ولا تطلب من النساء أن يقللن من أنفسهن ليلتحقن بها بل تتسع لهن كما هن.

