في هذه السردية لا نكتب ضد الحب، بل نقترب منه بحذر، كمن ينظر في مرآة لا ليكسرها، بل ليفهم ما تعكسه وما قد تخفيه خلف لمعانها. احيانا لا يكون الحب مساحة دفء، بل يتحول دون قصد او وعي الى مرآة للامتثال العاطفي، مرآة تعيد الينا صورة الذات كما يراد لها ان تكون، لا كما هي فعلا. لا يحدث ذلك لان الحب زائف، ولا لان النوايا بالضرورة مؤذية، بل لان العلاقات لا تنفصل عن السياقات التي تعلمنا فيها كيف نحب وكيف نكون محبوبات دون ان نربك التوازن.
هذه السردية جزء من سلسلة اعادة انتاج السرديات، اكتب فيها عن المساحة التي تطمس فيها النساء باسم الحب. عن علاقات تبدأ بالوعود وتنتهي بتقليص الذات، باسكات الصوت، وبخسارة ما كان من المفترض ان يكون لنا. اكتب من لحظات مألوفة في حياة كثيرات، حين نصبح خافتات حتى لا نزعج، مرنات حتى لا نرفض، قويات ولكن بالقدر الذي لا يربك الاخر. في كل سطر ظل لصوت لم يقل، وذاكرة امرأة لم ترو بعد.
الحب كما نعيشه نحن النساء ليس كما يروى في الاغاني او المسلسلات. ليس نهاية سعيدة، بل سؤال مفتوح. هل يمكن ان نحب دون ان يطلب منا التنازل عن انفسنا؟ هل يمكن ان يكون الحب مساحة اتساع لا اختزال؟ كبرنا على ان الحب تضحية، وان المرأة تثبت حبها بالصمت والاحتمال، وان الرجل يثبت حبه بالبقاء فقط، حتى وان كان حضوره مؤذيا او متعاليا. حين ننظر الى هذا بوعي نقدي، لا نبحث عن ادانة، بل عن فهم لما يعاد انتاجه داخل العلاقات.
الحب في جوهره وعد بالاقتراب، لكن الاقتراب لا يعني دائما التلاقي. احيانا يطلب القرب من احدنا ان يتشكل، ان يخفف حدته، ان يعيد ترتيب نفسه كي يظل مقبولا داخل العلاقة. هنا لا يطلب التنازل صراحة، ولا يسمى الامتثال باسمه، بل يقدم على شكل تفهم او مرونة او حرص على الحب. ومع الوقت قد تتعلم بعض الذوات ان تحب وهي تقلص نفسها، ان تظهر اجزاء وتخفي اخرى، لا خوفا من الفقد، بل حرصا على الاستمرار.
في كثير من العلاقات يتوقع من النساء ان يهدئن ويحتوين ويداوين، ان يجِدن الاصغاء، وتبرير الصمت، وتحويل التجاهل الى مساحة شخصية. يحملن اعباء الشفاء العاطفي، وينتظر منهن الا يتذمرن، بل ان يبدين جاهزات عاطفيا حتى حين يكون الطرف الاخر غير مستعد. هذا لا يعني ان التجارب متماثلة، ولا ان النساء قالب واحد ولا الرجال كذلك، لكن الانماط رغم اختلاف السياقات تظل تتكرر باسماء مختلفة وبذات الامتثال المطلوب.
الامتثال العاطفي لا يشبه القهر الواضح ولا يتخذ شكل السيطرة الصلبة. هو حركة صامتة تحدث في المساحات الرمادية للعلاقة. يظهر حين تكافا الطمانينة المريحة ويقابل الاختلاف بالقلق، حين يفهم التعبير العاطفي من طرف بوصفه حقا ومن طرف اخر بوصفه عبئا. لا احد يفرض هذا الامتثال وحده، لكنه يتشكل ويستمر دون ان يسمى.
ربما لا نحتاج الى تعريف جديد للحب بقدر ما نحتاج الى تحريره من القوالب التي تضيق به. ان نسمح له بان يكون مساحة تفاوض لا امتحان صبر، مساحة يظهر فيها الاختلاف دون ان يقرأ كتهديد، ومساحة لا يطلب فيها من احد ان يتضاءل كي يحب او يحب. ربما لا تمنحنا الحياة الحب كما نحلم، لكننا حين نرفض ان نقزم او نختزل او نسكت نبدأ باستعادته من جديد. نكتبه اليوم كجزء من سردية اكبر، سردية لا تهمش العاطفة، بل تراها مساحة وعي ونجاة لا اختفاء باسم الحب.

