هندسة النسيان: تفكيك الذاكرة الجمعية في السودان 

الذاكرة الجمعية ليست مجرد خارطة للماضي، إنها مصفوفة شرعية تحمِل قيمًا، أسماءً، تواريخٍ ومشاهد تُرسِّخ من له الحق في تسمية الوطن وتحديد واجباته وخصومه. في السودان، لم يكن تفكيك الذاكرة ناتجًا عن حادثٍ عابر، بل سياسة مركّبة بدأت قبل الانفجار المسلح للحرب في أبريل واستُكمِلت بأدوات الحرب. إن محو الذاكرة ليس نتيجة حتمية للحرب فحسب، بل اختراع سياسي — آليات متعاقبة من الإهمال المؤسس إلى العنف الرمزي والمادي — يهدف إلى إضعاف قدرة المجتمع المدني على المطالبة بالمُساءلة وبناء سرد تراكمي يذكّر بالثورة ويطالب بالعدالة.

من الثورة إلى الطمس: كيف أُسِرَ تاريخ ديسمبر؟

ثورة ديسمبر 2018 أنتجت ذاكرةً عملية —لا متحفًا جامدًا— تتجلّى في أسماء الشهداء، جداريات الشوارع، قصائد، أغاني ومساحات مدنية. هذه الذاكرة العملية كانت تهديدًا لأنظمة الاستبداد لأنها لم تكن تقتصر على سردية واحدة، بل على قدرة الناس على إعادة بلورة أصواتهم وشرعنة مطالبهم. لذلك اتخذت عملية الطمس شكلين متوازيين و متكاملين: (أ) إعادة تأطير الثورة إعلاميًا وسياسيًا كـ”فوضى وعمالة”، و(ب) تدمير فضاءات تذكّرها الحسية (الجداريات، الأحياء الثورية، لجان المقاومة)، فمن خلال تعريف التظاهرات و غيرها من مختلف سُبل المقاومة من إغلاق للطرق أو هتافات علي أنها “إزعاج للمواطن” يتم محو آثار الثورة بطريقة تشبه ما يصفه باحثوا دراسات الذاكرة بـ”الذاكرة التمهيدية للعنف”، أي استغلال الذاكرة الجماعية بشكل استباقي لتهيئة المجتمع لتقبّل العنف أو تبريره لاحقًا.

فقبل أن يُمارَس العنف فعليًا، تُعاد صياغة السرديات العامة بطريقة تجعل وقوعه يبدو أمرًا طبيعيًا أو حتى ضروريًا، منذ أكتوبر 2021 صارت وسائل الإعلام الرسمية ومنصات مقربة من أجهزة الدولة تكرّر خطابًا يصف الثورة بـ “الاختراق الأجنبي والفساد”، تزايدت حوادث طمس الجداريات وطلائها باللون الأبيض،  وتضاعفت الاعتقالات،  و تمادت السلطات الأمنية إلى حد “تأطير الفن و حق السرد” حين قامت بإعتقال كل من يقدم عمل فني يستنكر القمع أو الانقلاب، و هو ما أمّن عملية محو مادي لآثار الذاكرة الثورية لاحقا فيما بعد الحرب.

أدوات الدولة في طمس الفضاء المدني:

اتبعت الدولة السودانية مجموعة من الأدوات والسياسات المنهجية لتفكيك الفضاء المدني وشلّ العمل التطوعي والحراك الشعبي منذ انقلاب أكتوبر وحتى الحرب الحالية.
أول هذه الأدوات هو التشويه القانوني والإداري، حيث جرى تصنيف منظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة و غرف الطوارئ على أنها “جهات خارجة عن القانون” أو “شبكات متعاونة مع العدو”، تلاه إغلاق مكاتب عدد من المنظمات، ومنع التمويل، وملاحقة المتطوعين قضائيًا، مع تصاعد التهديدات الأمنية ضد الناشطين في هذا المجال.

أما الأداة الثانية فهي التجريم الأخلاقي والوصم المجتمعي، عبر اتهام الناشطين، ولا سيما الشباب والنساء العاملين في غرف الطوارئ، بـ”العمالة” و”الخيانة”، واستخدام الإعلام الرسمي والموجّه لنشر هذه السردية بهدف نزع الشرعية الأخلاقية عن الحراك المدني.

ترافق ذلك مع الضبط الأمني والعنف المباشر، من اعتقالات تعسفية و إخفاءات قسرية واغتيالات طالت صحفيين ومثقفين، ما أدى إلى ما يمكن وصفه بـ”هجرة العقل” واغتيال البنية التعاونية والثقافية التي شكّلت قلب الوعي الثوري.

أخيرًا، استخدمت الدولة التفكيك الرمزي كسلاح ناعم لمحو الذاكرة الجمعية، من خلال بعض المطالب بإعادة تسمية الشوارع والساحات العامة، وملء المناطق التي تصفها بـ”المحررة” بلوحات دعائية تمجّد العسكر وتعيد إنتاج صورة “البطل المنقذ”، مقابل تهميش رموز الثورة ومحو آثارها من الوعي العام.

بهذه السياسات، لم تكتفِ الدولة بتضييق المجال المدني، بل أعادت تعريفه بالكامل. الناشط أو المتطوع صار إما “بطلًا” في سرديتها أو “خائنًا” في ملفاتها. وهكذا تحوّلت تهمة “التعاون” إلى أداة فصلٍ أخلاقية تفكك النسيج الاجتماعي وتحوّل الفعل المدني إلى جريمة رمزية، مما يعجّل بتآكل الذاكرة الشعبية التي حفظت جوهر الثورة. 

صناعة الأبطال وشرعنة العنف: أيديولوجيا البطولة والرمز العسكري

تحويل مجرمي الحرب إلى “أبطال وطنيين” ليس فعلًا عاطفيًا أو عفويًا، بل عملية رمزية ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية. تبدأ هذه العملية من ترويج صورة القائد العسكري بوصفه المنقذ أو الحامي، وتمرّ عبر تصوير المعركة كإنجازٍ أخلاقي أو وطني، وصولًا إلى ابتكار طقوس تمجيدية مثل تسمية الشوارع والميادين بأسماء القادة، وبث الأغاني والقصائد التي تمجّدهم، وإنتاج تغطيات تلفزيونية تُقدّمهم في صورة الأبطال الشجعان. بهذه الأدوات، تُصنع “ذاكرة ناصعة” للشخصية العسكرية، تُخفي خلفها تاريخًا طويلًا من الانتهاكات والدماء.

تشير دراسات الذاكرة السياسية، كما في تجارب البرازيل وروسيا، إلى أن هذه الاستراتيجيات تُستخدم لإعادة إحياء رموز الديكتاتورية أو حقب القمع السابقة، بهدف إضفاء شرعية على السلطة العسكرية الراهنة. فاستدعاء الماضي لا يتم من أجل الاعتراف أو المحاسبة، بل من أجل إعادة إنتاجه في شكلٍ جديد يخدم الحاضر.

وفي السودان، يتكرّر المشهد ذاته. جرى خلال الحرب الراهنة تلميع صورة قادة الجيش والدعم السريع على حدٍّ سواء، من خلال احتفالات وبيانات إعلامية تُقدَّم فيها الحرب كمعركة وجودية للدفاع عن الوطن. انتشرت شعارات مثل “بل بس” لتبرير استمرار القتال ورفض أي مسار سلمي، بينما تحوّل الخطاب العام إلى ميزانٍ للوطنية: من يؤيد الحرب يُعتبر وطنيًا، ومن يدعو للسلام يُتَّهم بالخيانة أو العمالة.

بهذا الشكل، تُعاد صياغة الذاكرة الجمعية لتصبح الحرب مرادفًا للشرف والكرامة، والسلاح رمزًا للوطنية، فيما يُدفن سؤال العدالة في صمتٍ مقصود. وهكذا تتحوّل أيديولوجيا “البطولة” إلى أداةٍ فعالة في هندسة النسيان، تُعيد تشكيل وعي المجتمع وتُبرّر العنف بوصفه قدَرًا وطنيًا.

وسائل الطمس المادي: الحجر يُمحى كما الذاكرة

تدمير المتاحف، إحراق المكتبات، هدم الأحياء الفقيرة، وطمس الجداريات ليست آثارًا جانبية للصراع، بل استراتيجية ممنهجة لإلغاء الذاكرة الجماعية. التجارب العالمية، مثل الموصل، توضح أن استهداف “التراث اليومي” — المقاهي، الجدران، الشوارع — يؤدي إلى إبادة حضرية تُقوّض الذاكرة الحسية للشعوب، فتفقد المدينة قدرتها على تذكر تاريخها وثقافتها في الحياة اليومية.

في الخرطوم، نرى انعكاسًا لهذه الاستراتيجية: هناك محاولات لإزالة أحياء كاملة، وهدم محلات ومقاهي كانت توفر أماكن لتراكم الذاكرة الشعبية، بالإضافة إلى سرقة أو تضرر مقتنيات المتاحف. ومن المهم هنا التمييز بين الدمار العشوائي الذي تسببت فيه ميليشيات الدعم السريع، والذي طال مختلف مرافق العاصمة، وبين الطمس الممنهج الذي تقوم به الدولة السودانية، خصوصًا في جنوب الحزام من خلال الإزالة الكاملة لبعض الأحياء، تحت تهم “التعاون مع العدو” وتحت شعار “تطهير الخرطوم”.

هذا الطمس المادي يقترن دائمًا بـطمس رمزي للذاكرة: فرض التفكير الرسمي حول مناسبات “الوحدة” بدل الاعتراف بالألم، ودعوة الشعب إلى الاصطفاف خلف الجيش كمنقذ في “حرب الكرامة”. مثل هذه السياسات ليست حصرية للسودان، فقد رُصدت استراتيجيات مماثلة في الموصل وسريلانكا، حيث تم استخدام الهدم المادي لإعادة تشكيل الوعي العام وفرض سردية الدولة على المجتمع.

تشويه الذاكرة الجمعية للخرطوم: الحنين كآلية طمس

ما يميز الطمس في السودان ليس فقط القمع المادي أو الرمزي، بل التحول النفسي للذاكرة الجماعية للمدينة نفسها. الخرطوم، قبل الحرب، كانت مدينة معقدة بمزيج من الحداثة والفقر، الجمال والفوضى.

إن دراسات الذاكرة الجماعية الحضرية تشير إلى أن الذاكرة الإنسانية تميل إلى تبسيط التجارب المعقدة وتجميل الماضي، خصوصًا عند فقدان المرجعيات المباشرة للمكان. في حالة الخرطوم، هذا أدى إلى أن الكثير من سكانها الآن يتذكرونها على أنها “جنة حضرية”، بينما تم تجاهل أحيائها الفقيرة، مشكلات البنية التحتية، والتفاوتات الاجتماعية و واقعها الذي حاضروه لعقود طويلة.

هذه الظاهرة ليست مجرد حنين شخصي، بل هي نتيجة تراكب عوامل سياسية ونفسية: الحنين النفسي يحوّل الذاكرة إلى “نسخة مصقولة” للمكان المفقود، فيما الطمس الرمزي والسياسات الرسمية يعيد رسم سرد المدينة وفق تصورات “الوحدة والنقاء”، ويُهمل كل ما يذكر بالاضطراب الاجتماعي أو الاحتجاجات المدنية، و النتيجة أن الوعي الجماعي بالخرطوم أصبح مفصولًا عن الواقع الاجتماعي والتاريخي للمدينة، فما يُستعاد في الذهن  – حاليا – هو نسخة مستحيلة ومرغوبة من المدينة، بينما يُمحى واقعها المُعاش من الحياة اليومية، الاحتجاجات، و التفاوتات الاقتصادية.

يمكن تحليل هذه الظاهرة من زاوية إعادة هندسة الذاكرة الجماعية: حين يصبح الماضي “مثاليًا” في وعي الجماهير، فإن أي نشاط سياسي أو مدني يهدف إلى إعادة تمثيل الواقع المعقد يُواجه مقاومة نفسية وثقافية. بهذا الشكل، يصبح الحنين نفسه أداة لإدامة الطمس: إذ يتم استدعاء صورة الخرطوم “المثالية” لتبرير السياسات الحالية، ولإخفاء الفشل في معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية الحقيقية، ما يعمّق فجوة بين المدينة الحقيقية والمدينة المتخيلة في الذاكرة الشعبية.

حرب المعلومات والتضليل: وسائل التواصل كساحة للطمس والتحريض

في السودان اليوم، لم يعد تهديد الذاكرة الجماعية يقتصر على الرصاص أو تدمير الممتلكات، بل أصبح يُعاد إنتاجه عبر الفضاء الرقمي، حيث تُعاد صياغة الحقيقة نفسها عبر حملات تضليل ممنهجة، مقاطع مزيفة، وسرديات متكررة تكرّس مفاهيم “العمالة” و”الخيانة” ضد الحراك المدني. يمكن وصف هذا بمفهوم “نظام الفصل الرقمي” أو ما يعرف ب”الأبرتهايد الرقمي”: خوارزميات تحجب المحتوى، تضخّ هاشتاغات عدائية، وتدعم حسابات مزيفة ومؤثرة لتكثيف الرسائل الموجّهة لطرف على حساب الآخر. 

المشهد الرقمي السوداني اليوم يُظهر انقسامًا ثنائيًا واضحًا بين شعاريْن متضادّين: “بل بس”، الذي يبرّر الولاء العسكري والعنف باسم الوطنية، و”لا للحرب”، الذي يمثل امتدادًا أخلاقيًا لثورة ديسمبر ويرفض القتل والتسويات الموجّهة بالعنف.هذا الانقسام لا يقتصر على الرأي السياسي، بل يُستخدم لتسييس الاختلاف وتحويله إلى جريمة أخلاقية، فيما تُصنع وتُعاد تغذية تريندات مزيفة لصرف الانتباه عن فضائح أو ملفات حساسة، وتُنشّط شبكات البوتات والحسابات المدفوعة لتعزيز سرد موحّد. 

إلى جانب ذلك، تنتشر مقاطع وحشية على منصات التواصل بواسطة مليشيا الدعم السريع، تُستخدم لترهيب المواطنين بالأساس، و من ثم يتم إعادة استخدامها بواسطة داعمي الحرب لإعادة تبرير العنف والانتقام، مع تحريض مباشر على العنف القبلي أو الطائفي، ما يقوّض أي أساس للتعايش.

في ظل هذا التضليل الرقمي، يختفي الوسط والضمير المدني من النقاش العام، بينما تزداد مساحة الرسائل البسيطة والعاطفية التي تُقوّي الانقسام. كما يستغل الإسلاميون والتيارات المحافظة الفراغ الناتج عن تراجع الفضاء المدني لاستعادة النفوذ عبر شبكات التواصل، مستغلين حالة الخوف والغضب الشعبي لتعزيز رواياتهم حول “الأمن الأخلاقي” و”الاستقرار الديني” كحلّ. بهذا الشكل، تتحوّل وسائل التواصل الاجتماعي في السودان إلى أداة مركزية في هندسة النسيان، وإعادة صياغة الوعي، وتقويض الذاكرة الجماعية المستقلة.

الإمارات وحرب السرديات: إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية في السودان

الصراع بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع تجاوز حدود المواجهة العسكرية ليصبح حربًا على الذاكرة الجماعية. تلعب الإمارات دورًا مركزيًا في هذا السياق، عبر التمويل والدعم العسكري لمليشيا الدعم السريع، وإعادة صياغة سردية الصراع إعلاميًا وسياسيًا، حيث تقوم الإمارات بتصوير الجيش السوداني على أنه امتداد للإسلام السياسي، بينما تُبيّض صورة مليشيا الدعم السريع، رغم تورطها في انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، بما يعيد إنتاج نموذج تأطير الفلسطينيين كإرهابيين لتبرير الهيمنة الإسرائيلية، و ذلك من خلال تحويل الخصم إلى تهديد أخلاقي مطلق لإضفاء شرعية على القوة المسيطرة.

على المستوى الرقمي، تُستغل وسائل التواصل لإعادة كتابة الذاكرة: حملات تضليل، مقاطع مزيفة، هاشتاغات عدائية، حجب محتوى، واستمالة مؤثرين لترويج سرديات موالية للإمارات والدعم السريع. هذا التدخل يُنتج وعيًا جماعيًا مُشوهًا، حيث تُبسَّط التعقيدات وتُحجب الوقائع، وتصبح الأحداث التاريخية ضمن سردية أحادية تدعم مصالح إقليمية، وتبرّر تدخلات سياسية وعسكرية باسم مكافحة “الإسلام السياسي”.

في المقابل فإن المقاومة الشعبية عبر حملات المقاطعة (#قاطع_الإمارات و#الإمارات_تمول_القتل)، فضح التضليل الإعلامي، وتوثيق شهادات حية، تحاول إعادة سرد الواقع كما هو. هذه الجهود تعكس سعي المجتمع المدني للحفاظ على ذاكرة جماعية حقيقية، تحمي الوعي الشعبي من التلاعب وتستعيد استقلالية تصور الواقع الوطني.

بهذا الشكل، تتحول حرب السرديات الإماراتية إلى أداة لإعادة هندسة الذاكرة الجمعية و تشويه الماضي والحاضر لتخدم مصالح خارجية، بينما يقاوم المجتمع المدني السوداني هذا التزوير للحفاظ على روايته الوطنية، في نمط مشابه لكيفية استخدام إسرائيل للسرديات الإعلامية لتبرير سيطرتها على الفلسطينيين وتشويه صورتهم عالميًا. 

دروس مقارنة: ماذا يمكن أن يتعلم السودانيين من تجارب الدول الأخرى

تُظهر تجارب دول مختلفة كيف يمكن للذاكرة الجماعية أن تُدار، أو تُستغل سياسياً، وما يمكن أن يستفيده السودان في سياق الحفاظ على ذاكرته الوطنية:

  • رواندا: بعد الإبادة، وظفت الدولة المتاحف، طقوس الحداد (كويبوكا)، والبرامج التعليمية لإبقاء ذكرى المجزرة حية. لكنها احتكرت رواية الحدث سياسياً، مما حدّ من المشاركة المجتمعية. و عليه فإن الذاكرة يمكن أن تصبح أداة بنّاءة إذا أُديرت بشفافية وبمشاركة الضحايا والمجتمع المدني.
  • الموصل/العراق: استهداف التراث المادي (المتاحف، والآثار، الجداريات) خلق فراغاً في الذاكرة اليومية، مما سهّل استغلال هذا الفراغ سياسياً. و عليه فإن حماية التفاصيل الصغيرة – أسماء الشوارع والمقاهي وجداريات الثورة – أساسية للحفاظ على الذاكرة الشعبية، وليس التركيز فقط على المعالم الكبرى.
  • كولومبيا (مسيرة النور): التجارب الشعبية في توثيق الأحداث، مثل إشعال الشموع في الشوارع، أعادت الضحية إلى مركز السرد وبنت ذاكرة مضادة قوية. و عليه فإن دعم التوثيق الشعبي من خلال شبكات قانونية وآليات حماية يعزز قدرة المجتمع على مقاومة الطمس الرمزي.
  • سريلانكا، لبنان، الجزائر: تشير تجارب هذه الدول إلى أن “العفو دون كشف الحقيقة” يخلق نسياناً مؤقتاً ويؤدي لاحقاً إلى انقسامات وصراعات جديدة. إن أي محاولة لمصالحة سياسية قصيرة الأمد دون العدالة الانتقالية ستكرّس ذاكرة مشوهة و متجزئة، تُعرّض المجتمع لتكرار الصراع.

باختصار، هذه التجارب توضح أن إدارة الذاكرة الجماعية تتطلب توازنًا بين التوثيق الرسمي والمشاركة الشعبية، والعدالة والمصالحة، وحماية التراث المادي واليومي. تجاهل أي عنصر منها يجعل المجتمع عرضة للتلاعب وسرديات مسلّحة تستخدم الذاكرة لتبرير السلطة أو العنف.

 خاتمة:

الذاكرة كمعركة بقاء: نحو سياسة استعادة الوعي الجمعي

السودان لا يعيش فقط دمارًا ماديًا، بل فقدانًا جوهريا لذاكرته الجمعية، ذلك النسيج الذي يمنح المجتمعات معناها واتجاهها. فالذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ركيزة لأي مشروع سياسي عادل. إذ لا يمكن تحقيق العدالة دون اعتراف رسمي بالانتهاكات، ولا بناء سلام دون توثيق منصف للضحايا، ولا تأسيس مستقبل مشترك دون سردٍ متّفق عليه للتاريخ القريب.

من هنا، تصبح استعادة الذاكرة استراتيجية مقاومة بوجه الطمس الممنهج، ومسارًا موازياً لأي عملية سياسية. على الحركة المدنية في السودان أن تبادر إلى خطوات ملموسة تعيد للبلاد وعيها الجمعي، وذلك من خلال:

  • أرشفة طارئة لتوثيق الانتهاكات والدمار قبل ضياع الشواهد.
  • مجموعات توثيق شبابية مستقلة تحفظ الذاكرة اليومية للثورة والحرب (دفاتر الثورة الشعبية).
  • حملة دولية للمساءلة تضع الفاعلين الخارجيين أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية.
  • برنامج تربوي وثقافي يعيد ذاكرة ديسمبر إلى المناهج الدراسية والفضاء العام، مع حماية هذه الذاكرة من احتكار الدولة أو الميليشيات.

إن لم تُستعد الذاكرة — لا بوصفها سردًا للماضي فحسب، بل كآلية للشرعية والحكم — فسيُعاد بناء السودان على فراغٍ رمزي، ودولة بلا تاريخ مشترك، ومجتمعٍ بلا مرجعيات. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي ذاته، ومن يملك الذاكرة، يملك القدرة على تعريف الوطن وتحديد مستقبله.

المصادر: 

  1. https://www.prif.org/fileadmin/Daten/Publikationen/TraCe-Publikationen/TraCe_Working_Paper_5_Memory_Before_Violence.pdf
  2. https://www.ehu.eus/documents/1463215/1504271/Marquesetal97mc.pdf
  3. https://www.cambridge.org/core/journals/international-review-of-the-red-cross/article/cultural-memory-and-identity-in-the-context-of-war-experiential-placebased-and-political-concerns/B5EDB60E9A10D7391920A47EFF84AD42
  4. https://international-review.icrc.org/sites/default/files/reviews-pdf/2019-12/irrc_101_910_1.pdf
  5. https://www.lib.ruh.ac.lk/rohana/wp-content/uploads/pdf/article12(1)3.pdf
  6. https://eprints.whiterose.ac.uk/id/eprint/149541/1/Victims%20collective%20memory%20and%20transitional%20justice%20in%20post%20conflict%20Colombia_the%20case%20of%20the%20March%20of%20Light%20-%20CTGOMEZ.pdf
  7. https://www.degruyterbrill.com/document/doi/10.1515/9789048553075-004/html?lang=en&srsltid=AfmBOootG_MHhdhM9fhq3a0dGrdkUwnXthxjOkYZCwIwZva54Mt8h_A1
  8. https://scholarworks.calstate.edu/downloads/7m01bw08x
  9. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/21647259.2023.2247722
  10. https://caus.org.lb/ذاكرة-النكبة-وتأثيراتها-في-تبلور-الهو/
  11. https://www.aljazeera.net/midan/intellect/sociology/2017/1/17/الذاكرة-والنسيان-أو-كيف-نتجاوز-إرث
  12. https://www.almayadeen.net/news/politics/1493803/حرب-على-الذاكرة-هكذا-يروى-تاريخ-الاحتلال-ومواجهته
  13. https://www.alaraby.co.uk/culture/دفاتر-الحرب-توثيق-الذاكرة-الجمعية-منذ-بدء-العدوان
  14. https://daraj.media/الذاكرة-الجمعية-للنساء-في-الحرب-حين-ت/
  15. https://www.brookings.edu/ar/articles/الذاكرة-الجماعية-والنسيان-الجماعي-بع/
  16. https://rowaq.maysaloon.fr/archives/9362
  17. https://alarab.co.uk/التاريخ-الجديد-ثورة-الذاكرة-التي-تراهن-عليها-المجتمعات-المتطورة
  18. https://www.noonpost.com/297078/#:~:text=رد%20الاعتبار%20ومسح%20ذاكرة%20الهزيمة&text=تتوزع%20على%20شعورين:%20إما%20الشعور,كلها%20في%20شقيها؛%20المهزوم%20والمنتصر.
  19. https://fanack.com/ar/culture/features-insights/in-beiruts-southern-suburbs-resistance-against-memoricide~269896/#:~:text=تشكّل%20الذاكرة%20الجمعية.-,يترافق%20قتل%20الذاكرة%20مع%20الإبادة%20الجماعية،%20فيمسح%20الاحتلال%20المعالم%20الثقافية,شاورما%20ستشكل%20انتصارًا%20صغيرًا%20له.
  20. https://www.google.com/amp/s/www.alaraby.co.uk/blogs/%25D8%25AD%25D8%25B1%25D9%2588%25D8%25A8-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B0%25D8%25A7%25D9%2583%25D8%25B1%25D8%25A9%3famp
  21. https://wearenoor.org/between-erasure-and-resistance-womens-bodies-memories-and-narratives-under-sudans-fascist-islamist-regime-by-tesneem-elhassan/
  22. https://ultrasudan.ultrasawt.com/حروب-الذاكرة-وذاكرة-الحروب-معارك-في-عمق-المركز/خباب-النعمان/رأي
  23. https://splmn.net/قتلوك-حين-سمّوك-في-محو-الاسم-وتدجين-ال
  24. https://elhadaf-sd.com/2025/10/21/سلطات-محلية-الخرطوم-تزيل-حي-مانديلا-جن
  25. https://ultrasudan.ultrasawt.com/غادروا-فورًا-السلطات-تضع-علامات-تحذيرية-على-مئات-المنازل-بالخرطوم/محمد-حلفاوي/أخبار
  26. https://3ayin.com/murals
  27. https://www.annahar.com/arabic/article/1009954-إزالة-جداريات-لمحتجي-الخرطوم-طمس-أحد-أهم-ملامح-الثورة
  28. https://elhadaf-sd.com/2025/08/23/الحرب-في-السودان-وتشظّي-الذاكرة-الجما
  29. https://aawsat.com/العالم-العربي/شمال-افريقيا/5170132-حرب-السودان-تدمّر-ذاكرتها-الثقافية
  30. https://www.aljazeera.net/blogs/2025/8/31/السودان-حرب-وجود-تختزل-في-رواية
  31. https://megazine.ultrasawt.com/قول/عن-فقدان-مصادر-المعرفة-في-حرب-السودان
  32. https://www.medameek.com/?p=140997
  33. https://andariya.com/ar/post/memory-politics-rwanda-and-sudan
  34. https://www.alrakoba.net/31829018/ذاكرة-الحرب
  35. https://sudanhorizon.com/this-is-a-different-war
  36. https://noonmovement.org/حرب-أخرىحرب-السرديات-بين-الإمارات-وا/#:~:text=إن%20ما%20يجري%20في%20السودان,تحالفات%20إقليمية%20وتُغلفه%20دعايات%20خادعة.&text=مرتزقة%20من%20غابات%20كولومبيا%20إلى,الصحراء”%20في%20خدمة%20المصالح%20الاماراتية!&text=هل%20تدعم%20الإمارات%20الحرب%20الأهلية%20في%20السودان%20بشكل%20فعّال؟ 

استكشاف المزيد

كيف يكون الحب احيانا مرآة للامتثال العاطفي؟

في هذه السردية لا نكتب ضد الحب، بل نقترب منه بحذر، كمن ينظر في مرآة لا ليكسرها، بل ليفهم ما تعكسه وما قد تخفيه خلف لمعانها. احيانا لا يكون الحب مساحة دفء، بل يتحول دون قصد او وعي الى مرآة للامتثال العاطفي، مرآة تعيد الينا صورة الذات كما يراد لها

أكمل/ي القراءة

المقال الثالث: استكمال

هنا تأملاتي حول النسوية كفضاء معقد نسعى من خلاله للأمان والفهم مع إدراك ان هذا الفضاء قد يحوى تحديات او اسئلة تحتاج للمواجهة، اكتب من موقع الرغبة في فهم التقاطعيه داخل الحركات النسوية وفي استكشاف النصوص غير المعلنة التى تشكل طرق الانتماء والمشاركه هذا النص يدعو الي اتساع يحوى تناقضنا

أكمل/ي القراءة