المقال الثالث: استكمال

هنا تأملاتي حول النسوية كفضاء معقد نسعى من خلاله للأمان والفهم مع إدراك ان هذا الفضاء قد يحوى تحديات او اسئلة تحتاج للمواجهة، اكتب من موقع الرغبة في فهم التقاطعيه داخل الحركات النسوية وفي استكشاف النصوص غير المعلنة التى تشكل طرق الانتماء والمشاركه هذا النص يدعو الي اتساع يحوى تناقضنا وتجاربنا، لغتنا ولهجتنا.

خلال احدى جلسات النقاش شعرت بوجود توقعات غير مكتوبة حول كيفيه التعبير عن الذات داخل المساحة النسوية. 

ان يكون التعبير متوازنآ واضحآ ومتوافقآ مع ما يعتبر مقبولآ في النقاش لاحظت حتي ان اللغة واللهجة حتي والخلفية الثقافية يمكن ان تشكل  تحديات عند محاولة ايصال الافكار والتجارب الشخصية. 

 كثيرآ ما نجد ان التعبير عن الخبرات والتجارب يتطلب تنسيقآ مع معايير لغوية معينة والتي قد لا تشابه لغتنا الام واسلوب تعبيرنا الطبيعي في سياقنا المحلي وهذا يطرح سوالا مهمآ عن كيفية تمكين النساء من التعبيير عن اصواتهن بغض النظر عن اللغة او الاسلوب الذي يستخدمنه.

 وكأننا لا نستحق أن نكون “صاحبات فكر” إلا إذا أتقنّا مصطلحات مثل intersectionality، epistemic violence، أو decolonial praxis، حتى لو كانت جروحنا تتكلّم بلغة أبسط، أصدق، وأكثر نزفًا.

وهكذا، دون أن نُدرك، نبدأ في تعديل لهجتنا، وتخفيف عاطفتنا، وتهذيب غضبنا  ليس لأننا لا نملك صوتًا، بل لأن صوتنا لا يُطابق النموذج.

في هذا السياق، أود أن أُضيف: اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي أداة للهوية والتمكين، وفي دول الجنوب العالمي، تُعدّ لغتنا الأم، العربية أو اللغات المحلية الأخرى، مخزونًا ثريًا من الخبرات والتجارب التي لا ينبغي أن تُستبدل أو تُهمش لصالح لغة أجنبية.

حين يُطلب منا أن نتحدث بلغة ليست لغتنا الأصلية لنُقبَل أو نُعترف بنا، نجد أنفسنا أمام تناقض عميق:

هل اللغة الأجنبية معيار للوعي، أم أداة لاستبعادنا؟

هل علينا أن نُخفف من هويتنا لنتناغم مع ما يُعتبر “عالميًا”؟

هذه الأسئلة ليست مجرد فُرص تعليمية، بل صراعات يومية من أجل احتفاظنا بصوتنا الحقيقي.

استنساخ النموذج الأوروبي داخل المساحات النسوية في الجنوب ليس دائمًا بفعل القمع المباشر، بل غالبًا عبر الرغبة في “القبول”. فنُقلّد ما يُعتبر مرجعيًا، عالميًا، متقدمًا ثم نُجبر أنفسنا على التماهي معه كي لا نُقصى.

لكن في هذا التماهي… نفقد شيئًا فادحًا:

ذاكرتنا!، لهجتنا!، وصدق الكتابة كما نعيشها لا كما يُطلب منا أن نُتقنها.

أنا لا أرفض التعلم، ولا استنكر الاستفادة من تجارب نسوية عالمية، لكنّي أسأل:

لماذا لا تُعدّ تجربتي مرجعية بذاتها؟

لماذا لا نُصدّق أن نساء مخيمات النزوح، أو الأسواق، أو الأحياء الشعبية يمتلكن رؤى للنجاة، للعدالة، وللحب…

ربما أكثر مما كُتب في ألف ورقة بحثية؟

في السنوات الأخيرة، قضيت وقتًا طويلًا أتنقّل بين دوائر نسوية. من منظمات، إلى مجموعات قراءة، إلى مشاريع جماعية، وحتى دوائر عاطفية. دوائر كان يُفترض بها أن تكون مساحة تنفّس، تحرّر، أمان… لكنها كانت في كثير من الأحيان مسرحًا متقن الإضاءة لإعادة إنتاج كل ما نهرب منه:

التحكّم، التصنيف، والامتثال.

أدركتُ أن هناك دائمًا “نصًا غير معلن” نص يتعلّق بكيف يجب أن نبدو، نتحدث، نغضب، نختلف.

من تلبس الحجاب، تُمتحَن نسويتها.

ومن لا تلبسه، تُسأل إن كانت ترفض الدين.

من تتحدث بلغة شعبية، تُعد “عاطفية”.

ومن تكتب بلغة تحليلية، تُعد “متعالية”.

من تحمل جسدًا أسمر، تُوضع في خانة “الصوت الأصلي”،

ومن تبدو أكثر بياضًا، تُتهم بأنها “مُريحة للمركز”.

حتى النضال… صار له شروط دخول.

تبدو احيانا الممارسة النسوية كانها تتطلب الالتزام بمعايير محددة مع حرص علي ضبط النفس في بعض المواقف او التعامل نع التحديات بطرق محددة هذا يذكرنا باهمية ايجاد مساحات نسوية جامعه تتسع لتجاربنا و تتيح لنا التعبير بحرية وصدق دون الحاجة الي الانسجام الكامل مع نماذج محددة مسبقآ.

وختاما… 

أنا لا أكتب هذا من موقع الضحية، ولا من برج العدل الأخلاقي. أنا أكتبه لأنني أيضًا مارستُ هذا الصمت، وأحيانًا… مارستُ التواطؤ.

وأدركت أن التحرر لا يعني فقط أن ننتقد السلطة من الخارج، بل أن نراها حين تسكن بيننا، في تفاصيلنا الصغيرة، في الكلمات المبطّنة، وفي اللحظات التي نشعر فيها أننا مضطرات لإعادة تشكيل أنفسنا، حتى نُقبَل.!

ربما النسوية التي نحتاجها اليوم، ليست تلك التي تطلب منا أن نكون نساء “واعيات” بلغة واحدة، بل تلك التي تتيح لنا أن نأتي كما نحن: متناقضات، ضعيفات، غاضبات، غير محسوبات على أحد.

نسوية تفتح الباب… لا تختبر الداخلات!

تُعيد تعريف الانتماء… لا تُشترط مسبقًا.

نسوية تعرف أن الاختلاف ليس تهديدًا، وأن الصمت عن الهيمنة، ولو جاءت بلسان “نساء”، هو استمرار لما نحاول إسقاطه.

استكشاف المزيد

كيف يكون الحب احيانا مرآة للامتثال العاطفي؟

في هذه السردية لا نكتب ضد الحب، بل نقترب منه بحذر، كمن ينظر في مرآة لا ليكسرها، بل ليفهم ما تعكسه وما قد تخفيه خلف لمعانها. احيانا لا يكون الحب مساحة دفء، بل يتحول دون قصد او وعي الى مرآة للامتثال العاطفي، مرآة تعيد الينا صورة الذات كما يراد لها

أكمل/ي القراءة

المقال الثالث: استكمال

هنا تأملاتي حول النسوية كفضاء معقد نسعى من خلاله للأمان والفهم مع إدراك ان هذا الفضاء قد يحوى تحديات او اسئلة تحتاج للمواجهة، اكتب من موقع الرغبة في فهم التقاطعيه داخل الحركات النسوية وفي استكشاف النصوص غير المعلنة التى تشكل طرق الانتماء والمشاركه هذا النص يدعو الي اتساع يحوى تناقضنا

أكمل/ي القراءة